فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الألوسي:

{إنَّ الذين ءامَنُوا وَعَملُوا الصالحات} بيان لحال المؤمنين بآياته تعالى أثر بيان حال الكافرين بها أي أن الذين آمنوا بآياته تعالى وعملوا بموجبها {لَهُمْ} بمقابلة ما ذكر من إيمانهم وعملهم {جنات النعيم} أي انلعيم الكثير وإضافة الجنات إليه باعتبار اشتمالها عليه نظير قولك: كتب الفقه وفي هذا إشارة إلى أن لهم نعيمها بطريق برهاني فهو أبلغ من لهم نعيم الجنات إذ لا يستدعي ذلك أن تكون نفس الجنات ملكلهم فقد يتنعم بالشيء غير مالكه، وقيل: في وجه الابلغية أنه لجعل النعيم فيه أصلًا ميزت به الجنات فيفيد كثرة النعيم وشهرته، وأيًا ما كان فجنات النعيم هي الجنات المعروفة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن دينار قال: جنات النعيم بين جنات الفردوس وبين جنات عدن وفيها جوار خلقن من ورد الجنة قيل: ومن يسكنها؟ قال: الذين هموا بالمعاصي فلما ذكروا عظمتي راقبوني والذين انثنت اصلابهم في خشيتي، والله تعالى أعلم بصحة الخبر، والجملة خبر ان، قيل: والأحسن أن يجعل {لَهُمْ} هو الخبر لأن و{جنات النعيم} مرتفعًا به على الفاعلية، وقوله تعالى: {خالدين فيهَا} حال من الضمير المجرور أو المستتر في {لَهُمْ} بناء على أنه خبر مقدم أو من {جنات} بناء على أنه فاعل الظرف لاعتماده بوقوعه خبرًا والعامل ما تعله به اللام.
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {خالدون} بالواو وهو بتقدير هو {وَعَدَ الله} مصدر مؤكد لنفسه أي لما هو كنفسه وهي الجملة الصريحة في معناه أعني قوله تعالى: {لَهُمْ جنات النعيم} [لقمان: 8] فإنه صريح في الوعد.
وقوله تعالى: {حَقّ} مصدر مؤكد لتلك الجملة أيضًا إلا أنه يعد مؤكدًا لغيره إذ ليس كل وعد حقًا في نفسه.
وجوز أن يكون مؤكدًا لوعد الله المؤكد، وأن يكون مؤدًا لتلك الجملة معدودًا من المؤكد لنفسه بناء على دلالتها على التحقيق والثبات من أوجه عدة وهو بعيد.
وفي الكشف لا يصح ذلك لأن الأخبار المؤكدة لا تخرج عن احتمال البطلان فتأمل {وَهُوَ العزيز} الذي لا يغلبه شيء ليمنع من انجاز وعده وتحقيق وعيده {الحكيم} الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، ويفهم هذا الحصر من الفحوى، والجملة تذييل لحقية وعده تعالى المخصوص بمن ذكر المومى إلى الوعيد لأضدادهم.
{خُلقَ السموات بغَيْر عَمَدٍ}. إلخ.
استئناف جيء به للاستشهاد بما فصل فيه على عزته عز وجل التي هي كمال القدرة وحكمته التي هي كمال العلم وإتقان العمل وتمهيد قاعدة التوحيد وتقريره وإبطال أمر الإشراك وتبكيت أهله، والعمد جمع عماد كأهب جمع أهاب وهو ما يعمد به أي يسند يقال عمدت الحائط إذا دعمته أي خلقها بغير دعائم على أن الجمع لتعدد السماوات، وقوله تعالى: {تَرَوْنَهَا} استئناف في جواب سؤال تقديره ما الدليل على ذلك؟ فهو مسوق لا ثبات كونها بلا عمد لأنها لو كانت لها عمد رؤيت فالجملة لا محل لها من الإعراب والضمير المنصوب للسماوات والرؤية بصرية لا علمية حتى يلزم حذف أحد مفعوليها، وجوز أن يكون صفة لعمد فالضمير لها أي خلقها بغير عمد مرئية على التقييد للرمز إلى أنه تعالى عمدها بعمد لا ترى وه يعمد القدرة، وروى ذلك عن مجاهد وكون عمادها في كل عصر الإنسان الكامل في ذلك العصر ولذا إذا انقطع الإنسان الكامل وذلك عند انقطاع النوع الإنساني تطوي السماوات كطي السجل للكتب كلام لا عماد له من كتاب أو سنة فيما نعلم وفوق كل ذي علم عليم {وألقى في الأرض رَوَاسىَ} بيان لصنعه تعالى البديع في قرار الأرض إثر بيان صنعه عز وجل الحكيم في قرار السماوات أي ألقى فيها جبالًا شوامخ أو ثوابت كراهة {أَن تَميدَ} أو لئلا تميد أي تضطرب {بكُمْ} لو لم يلق سبحانه وتعالى فيها رواسي لما أن الحكم اقتضت خلقها على حال لو خلت معه عن الجبال لمادت بالمياه المحيطة بها الغامرة لأكثرها والرياح العواصف التي تقتضي الحكمة هبوبها أو بنحو ذلك، وقد يعد منه حركة ثقيل عليها، وقد ذكر بعض الفلاسفة أنه يلزم بناء على كرية الأرض ووجوب انطباق مركز ثقلها على مركز العالم حركتها مع ما فيها من الجبال بسبب حركة ثقيل من جانب منها إلى آخر لتغير مركز الثقل حينئذ إلا أنه لم يظهر ذلك لكون الأثقال المتحركة عليها كلا شيء بالنسبة إليها مع ما فيها، ولعل من يعد حركة الثقيل عليها من أسباب الميد لو خلت من الجبال يقول: لا يبعد حركة ثقيل عليها كما جرى من مكان إلى آخر فاجتمع حتى صار بحرًا عظيمًا مع ما ينضم إلى ذلك مما تنقله الأهوية من الرمال الكثيرة والتراب يكون له مقدار يعتقد به بالنسبة إلى الأرض خالية من الجبال فتتحرك بحركته إلى خلاف جهته، ثم إن الميد لولا الرواسي بنحو المياه والرياح متصور على تقدير كون الأرض كروية كما ذهب إليه الغزالي وكذا ذهب إلى كروية السماء، وجاء في رواية عن ابن عباس ما يقتضيه وإليه ذهب أكثر الفلاسفة مستدلين عليه بما في التذكرة وشروحها وغير ذلك وهو الذي يشهد له الحس والحدس، وعلى تقدير كونها غير كروية كما ذهب إليه من ذهب واختلفوا في شكلها عليه وتفصيل ذلك يطلب من محله، ولا دلالة في الآية على انحصار حكمة إلقاء الرواسي فيها بسلامتها عن الميد فإن لذلك حكمًا لا تحصى.
وكذا لا دلالة فيها على عدم حركتها على الاستدارة دائمًا كما ذهب إليه أصحاب فيثاغورس، ووراءه مذاهب أظهر بطلانًا منه.
نعم الأدلة النقلية والعقلية على ذلك كثيرة {وَبَثَّ فيهَا} أي أوجد وأظهر، وأصل البث الإثارة والتفريق ومنه {فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا} [القارعة: 6] و{كالفراش المبثوث} [القارعة: 4] وفي تأخيره إشارة إلى توقفه على إزالة الميد {من كُلّ دَابَّةٍ} من كل نوع من أنواعها {وَأَنزَلْنَا منَ السماء مَاء} هو المطر والمراد بالسماء جهة العلو، وجوز تفسيرها بالمظلة وكون الإنزال منها بضرب من التأويل، وترك التأويل لا ينبغي أن يعول عليه إلا إذا وجد من الأدلة ما يضطرنا إليه لأن ذلك خلاف المشاهد {فَأَنبَتْنَا فيهَا} أي بسبب ذلك الماء {من كُلّ زَوْجٍ} أي صنف {كَريمٌ} أي شريف كثير المنفعة، والالتفات إلى ضمير العظمة في الفعلين لإبراز مزيد الاعتناء بهما لتكررهما مع ما فيهما من استقامة حال الحيوان وعمارة الأرض ما لا يخفى.
{هذا} أي ما ذكر من السماوات والأرض وسائر الأمور المعدودة {خَلَقَ الله} أي مخلوقه {فَأَرُونى} أي اعلموني وأخبروني، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر أي إذا علمتم ذلك فأورني {مَاذَا خَلَقَ الذين من دُونه} مما اتخذتموهم شركاء له سبحانه في العبادة حتى استحقوا به العبودية، و{مَاذَا} يجوز أن يكون اسمًا واحدًا استفهامًا ويكون مفعولًا لخلق مقدمًا لصدراته وأن يكون {مَا} وحدها اسم استفهام مبتدأ و{ذَا} اسم موصول خبرها وتكون الجملة معلقًا عنها سادة مسد المفعول الثاني لأروني، وأن يكون {مَاذَا} كله اسمًا موصولًا فقد استعمل كذلك على قلة على ما قال أبو حيان ويكون مفعولًا ثانيًا له والعائد محذوف في الوجهين وقوله تعالى: {بَل الظالمون في ضلال مُّبينٍ} اضراب عن تبكيتهم بما ذكر إلى التسجيل عليهم بالضلال البين المستدعي للإعراض عن مخاطبتهم بالمقدمات المعقولة الحقة لاستحالة أن يفهموا منها شيئًا فيهتدوا به إلى العلم ببطلان ما هم عليه أو يتأثروا من الإلزام والتبكيت فينزجروا عنه، ووضع الظاهر موضع ضميرهم للدلالة على أنهم بإشراكهم واضعون للشيء في غير موضعه ومعتدون عن الحد وظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{إنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالحَات لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعيم (8)}.
لما ذكر عذاب من يُضل عن سبيل الله اتبع ببشارة المحسنين الذين وصفوا بأنهم يقيمون الصلاة إلى قوله: {وأولئك هم المفلحون} [لقمان: 5].
وانتصب {وعدَ الله} على المفعول المطلق النائب عن فعله، وانتصب {حقًا} على الحال المؤكدة لمعنى عاملها كما تقدم في صدر سورة يونس.
وإجراء الاسمين الجليلين على ضمير الجلالة لتحقيق وعده لأنه لعزته لا يعجزه الوفاء بما وعَد، ولحكمته لا يخطىء ولا يذهل عما وعد، فموقع جملة {وهو العزيز الحكيم} موقع التذييل بالأعم.
{خَلَقَ السَّمَاوَات بغَيْر عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}.
استئناف للاستدلال على الذين دأبهم الإعراض عن آيات الله بأن الله هو خالق المخلوقات فلا يستحق غيرهُ أن تثبت له الإلهية فكان ادعاء الإلهية لغير الله هو العلة للإعْراض عن آيات الكتاب الحكيم، فهم لما أثبتوا الإلهية لما لا يخلق شيئًا كانوا كمن يزعم أن الأصنام مماثلة لله تعالى في أوصافه فذلك يقتضي انتفاء وصف الحكمة عنه كما هو منتف عنها.
ولذا فإن موقع هذه الآيات موقع دليل الدليل، وهو المقام المعبر عنه في علم الاستدلال بالتدقيق، وهو ذكر الشيء بدليله ودليل دليله، فالخطاب في قوله: {ترونها} و{بكم} للمشركين، وقد تقدم في سورة الرعد (2) قوله: {الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها} وتقدم في أول سورة النحل (15) قوله: {وألقى في الأرض رواسيَ أن تَميدَ بكم} والمعنى خوفَ أن تميد بكم أو لئلا تُميدكم كما بين هنالك.
وتقدم في سورة البقرة (164) قوله: {وبثّ فيها من كل دابّة وتصريف الرياح} وقوله: {أنزلنا من السماء ماء} وهو نظير قوله في سورة البقرة (164) {وما أنزل الله من السماء من ماء} وقوله في سورة الرعد (17) {أنزل من السماء ماء فسالتْ أوْديَةٌ} والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: {وأنزلنا} للاهتمام بهذه النعمة التي هي أكثر دورانًا عند الناس.
وضمير {فيها} عائد إلى الأرض.
والزوج: الصنف، وتقدم في قوله تعالى: {فأخرجنا به أزواجًا من نبات شتى} في طه (53) وقوله: {وأنبتت من كل زوج بَهيج} في سورة الحج (5).
والكريم: النفيس في نوعه، وتقدم عند قوله تعالى: {إنّي ألقيَ إليَّ كتابٌ كريم} في سورة النمل (29).
وقد أدمج في أثناء دلائل صفة الحكمة الامتنان بما في ذلك من منافع للخلق بقوله: {أن تميد بكم وبَث فيها من كل دابة} فإن من الدواب المبثوثة ما ينتفع به الناس من أكل لحوم أوانسها ووحوشها والانتفاع بألبانها وأصوافها وجلودها وقرونها وأسنانها والحمل عليها والتجمل بها في مرابطها وغدوّها ورواحها، ثم من نعمة منافع النبات من الحب والثمَر والكلأ والكمأة.
وإذ كانت البحار من جملة الأرض فقد شملَ الانتفاع بدواب البحر فالله كما أبدع الصنع أسبغ النعمة فأرانا آثار الحكمة والرحمة.
وجملة {هذا خلق الله} إلى آخرها نتيجة الاستدلال بخلق السماء والأرض والجبال والدواب وإنزال المطر.
واسم الإشارة إلى ما تضمنه قوله: {خلق السماوات} إلى قوله: {من كل زوج كريم} والإتيان به مفردًا بتأويل المذكور.
والانتقال من التكلم إلى الغيبة في قوله: {خلق الله} التفاتًا لزيادة التصريح بأن الخطاب وارد من جانب الله بقرينة قوله: {هذا خلق الله} وكذلك يكون الانتقال من التكلم إلى الغيبة في قوله: {ماذا خلق الذين من دونه} التفاتًا لمراعاة العود إلى الغيبة في قوله: {خَلق الله} ويجوز أن تكون الرؤية من قوله: {فأروني} علمية، أي فأنْبئُوني، والفعل معلقًا عن العمل بالاستفهام ب {ماذا}.
فيتعين أن يكون {فأروني} تهكمًا لأنهم لا يمكن لهم أن يكافحوا الله زيادة على كون الأمر مستعملًا في التعجيز، لكن التهكم أسبق للقطع بأنهم لا يتمكنون من مكافحة الله قبل أن يقطعوا بعجزهم عن تعيين مخلوق خلقه من دون الله قطعًا نظريًا.
وصوغ أمر التعجيز من مادة الرؤية البصرية أشد في التعجيز لاقتضائها الاقتناع منهم بأن يحضروا شيئًا يدّعون أن آلهتهم خلقته.
وهذا كقول حُطائط بن يعفر النهشلي وقيل حاتم الطائي:
أريني جوادًا مات هَزلًا لعلني ** أرى ما تزين أو بخيلا مخلَّدا

أي: أحضرني جوادًا مات من الهزال وأرينيه لعلي أرى مثل ما رأيتيه.
والعرب يقصدون في مثل هذا الغرض الرؤية البصرية، ولذلك يكثر أن يقول: ما رأتْ عيني، وانظر هل ترى.
وقال امرؤ القيس:
فللَّه عينًا من رأى من تفرق ** أشتّ وأنأى من فراق المحصب

وإجراء اسم موصول العقلاء على الأصنام مجاراة للمشركين إذ يعدُّونهم عقلاء.
و{منْ دونه} صلة الموصول.
ودون كناية عن الغير، و{من} جارّة لاسم المكان على وجه الزيادة لتأكيد الاتصال بالظرف.
و{بل} للإضراب الانتقالي من غرض المجادلة إلى غرض تسجيل ضلالهم، أي في اعتقادهم إلهية الأصنام، كما يقال في المناظرة: دع عنك هذا وانتقل إلى كذا.
و{الظالمون} المشركون.
والضلال المبين: الكفر الفظيع لأنهم أعرضوا عن دعوة الإسلام للحق وذلك ضلال وأشركوا مع الله غيره في الإلهية فذلك كفر فظيع.
وجيء بحرف الظرفية لإفادة اكتناف الضلال بهم في سائر أحوالهم أي: شدة ملابسته إياهم. اهـ.